ابن قيم الجوزية

510

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فصل وأما « العبقري » فقال أبو عبيدة : كل شيء من البسط عبقري . قال : ويرون أنها أرض توشّى البسط فيها ، وقال الليث : عبقر : موضع بالبادية كثير الجن ، يقال : كأنه جن عبقر . قال أبو عبيدة ، في حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حين ذكر عمر « فلم أر عبقريا يفري فريه » وإنما أصل هذا ، فيما يقال : أنه نسب إلى عبقر ، وهي أرض يسكنها الجن ، فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع ، وأنشد لزهير : تخيل عليها جنة عبقرية * جديرون يوما أن ينالوا فيستعملوا وقال أبو الحسن الواحدي : وهذا القول هو الصحيح في العبقري . وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن ، أو شبهته بهم . ومنه قول لبيد : جن الردى رواسيا أقدامها وقال آخر يصف امرأة : جنية ، ولها جن يعلمها * رمى القلوب بقوس ما لها وتر وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة ، وأنهم يأتون كل أمر عجيب ولما كان « عبقر » معروفا بسكناهم نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليه ، يريدون بذلك أنه من عملهم وصنعهم ، هذا هو الأصل ، ثم صار العبقري نعتا لكل ما بولغ في صفته . ويشهد لما ذكرنا : بيت زهير ، فإنه نسب الجن إلى عبقر . ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب ، كقوله في صفة عمر « عبقريا » وروى سلمة عن الفراء قال : العبقري الرشيد من الرجال ، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر ، فلو كانت « عبقر » مخصوصة